الشيخ محمد هادي معرفة
297
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وهذا المنقول عن أبي حنيفة قد يكون مبالغا فيه ، غير أنّه إن دلّ فإنّما يدلّ على جرأته في تقديم النظر على الأثر وترك النصّ والأخذ بالقياس . . الأمر الذي أنّبه الإمام الصادق عليه في مواقف عدّة كان يختلف فيها إلى الإمام عليه السلام ويتساءل معه وأحيانا يتحاجج لديه . . فكان ينصاع لنصحه ويرعوي من غلوائه . . « 1 » فقد كانت مدرسة الإمام الصادق جامعة إسلاميّة يؤمّها الناس من مختلف الطوائف والنحل ، فهي مدار الحركة الفكريّة ، والمحور الذي تدور عليه آمال الموجّهين وحملة الدعوة الإسلاميّة . وقد أثّرت تعاليمه عليه السلام في كثير من أولئك الرجال فاعتدلوا في آرائهم . . والإمام أبو حنيفة - المعروف بكثرة القياس - يكشف لنا عن أهمّيّة هذه المدرسة وعظيم أثرها ، إذ يقول : « لولا السَنَتان لهلك النعمان » « 2 » . والسَنَتان هما اللّتان حضر بهما عند الإمام الصادق ، وكان الإمام يشتدّ عليه في كثرة القياس ويناظره في ذلك . وبهذا يتّضح أنّ أبا حنيفة ، في أخذه بأقوال الإمام الصادق ، واتّباع أوامره ، يعدّ نفسه في نجاة من هلكة كانت تهدّده . . وربّما كان ذلك في التقليل الأخذ بالقياس ، واللجوء إلى الأحاديث أكثر . . نعم ، كان أبو حنيفة معجبا بموضع الإمام ويراه أفقه وأهيب الناس كلّهم ، وهو القائل : « ما رأيت أفقه من جعفر من محمّد الصادق » « 3 » .
--> ( 1 ) - . قد احتفظ لنا التاريخ بكثير من تلك المواقف ، التي كان فيها لأبي حنيفة موقف تسليم ، لأنّه أمام أمر واقع لا مجال للجدل والمناقشة ، وهو يعرف الإمام الصادق عليه السلام وخطّته في مناظراته التي لا يريد بها إلّا توجيه المسلمين توجيها صحيحا . وكان بيته يختلط فيه أشتات الناس على اختلاف آرائهم ومبادئهم ونحلهم ، وكان ميدان المعترك الفكريّ واسعا في جميع الأنحاء ، فكان عليه السلام في ذلك العهد مرجعا لكلّ مشكلة ومهمّة ، يقصده طلّاب الحقيقة من الأنحاء القاصية ، ويختلف إليه أهل الجدل والنظر ، فيكون جوابه هو القول الفصل والحكم العدل . وهكذا كان إذا ورد الكوفة - معهد العلوم الإسلاميّة آنذاك - اختلف إليه علماؤها وأحاط به فقهاؤها يسألون عمّا يهمّهم ويستقون من فيض علمه . وهو محلّ تقديرهم وإكبارهم . وكان أبو حنيفة ممّن يختلف إلى الإمام ويسأله عن كثير من المسائل مع أدب واحترام ولا يخاطبه إلّا بقوله : جُعلتُ فداك يا ابن رسول اللّه . . وقد روى أبو حنيفة عن الإمام الصادق عليه السلام وحدّث عنه واتّصل به في المدينة مدّة من الزمن . ورواياته عنه أثبتها رواة مسانيده وورد منها في كتاب الآثار لأبي يوسف . . الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، ج 1 ، ص 314 - 317 . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 113 . ( 3 ) - . المصدر نفسه ، ج 1 ، ص 315 .